سيد محمد طنطاوي
88
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والتعبير بإذا الفجائية في قوله * ( إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ) * ، للإشارة إلى سرعة يأسهم من رحمة اللَّه - تعالى - حتى ولو كانت المصيبة هينة بسيرة ، وذلك لضعف يقينهم وإيمانهم . إذ القنوط من رحمة اللَّه ، يتنافى مع الإيمان الحق . ثم عقب - سبحانه - على أحوالهم هذه ، بالتعجيب من شأنهم ، وبالتقريع لهم على جهلهم ، فقال : * ( أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ ) * . أي : أجهل هؤلاء الناس الذين لم يخالط الإيمان قلوبهم ، ولم يشاهدوا بأعينهم أن اللَّه - تعالى - بمقتضى حكمته ، يوسع الرزق لمن يشاء من عباده . ويضيقه على من يشاء منهم ، لا راد لقضائه ، ولا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل . إن واقع الناس يشهد ويعلن : أن اللَّه - تعالى - يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ، فما لهؤلاء القوم ينكرون هذا الواقع بأفعالهم القبيحة ، حيث إنهم يبطرون عند السراء ، ويقنطون عند الضراء ؟ فالمقصود بالآية الكريمة توبيخهم على عدم فهمهم لسنن اللَّه في خلقه . ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : * ( إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) * أي : إن في ذلك الذي ذكرناه لكم من أحوال الناس ، ومن قدرتنا على كل شيء * ( لآياتٍ ) * واضحات ، وعبر بينات ، لقوم يؤمنون بما أرشدناهم إليه ، ويعملون بما يقتضيه إيمانهم . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما يجب على المسلم بالنسبة للمال الذي وهبه اللَّه إياه ، فقال - تعالى - : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 38 إلى 40 ] فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه والْمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْه اللَّه وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 38 ) وما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّه وما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْه اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( 39 ) اللَّه الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَه وتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 )